Karim RISAN Artistic Notebooks between aesthetic research and testimony on the era
Arabic Title: 
كريم رسن :دفاتري الفنية بين البحث الجمالي والشهادة على العصر
The Title: Karim RISAN Artistic Notebooks between aesthetic research and testimony on the era
Date:
2016
Published by:
Kareem Risan page on facebook 1 feb 2019
About:

دفاتري الفنية بين البحث الجمالي والشهادة على العصر.

منذُ بداية إنشغالاتي الأولى بالفن كنتُ شغوفاً بالورق وأنواعه العديدة . وقد إزداد ذلك الشغف أكثر حين كُنت أعمل في إحدى مطابع بغداد العريقة ( الراية ) ، في قسم التصميم والمونتاج ، خلال فترة الثمانينيات من القرن الماضي ، الذي تزامن مع السنة الأولى من إلتحاقي في أكاديمية الفنون الجميلة قسم الفنون التشكيلية في بغداد عام ١٩٨٤.
بالإضافة الى المهارات التي كُنت أكتسبها في أكاديمية الفنون أنذاك ، في مجال الرسم والحفر على المعادن( الكرافيك) ، كنتُ أيضاً أكتسب مهارات حِرَفية أُخرى في مجال الطباعة الميكانيكية والتصميم والمونتاج ، والتعاطي مع الورق وأنواعه في دار الطباعة . كما تعلمت أيضاً مهارات تجميع ملازم الورق وخياطتها وتجليد الكتب . حيث كانت تلك الخبرات العملية المُكتسبة عاملاً مهماً جداً، مهدَ فيما بعد بداية موفقة في الإشتغال على الدفاتر الفنية ، في مجال تصميمها ومن ثم تصنيعها وفق متطلبات لها علاقة وثيقة بالمواضيع التي كنت أختارها في بداية إهتماماتي الأولي في هذا النوع من الفن .
كانت دفاتر الفنان شاكر حسن آل سعيد الصغيرة ، المصنوعة من قصاصات الورق العادي . والمشغولة ببساطة وحس جمالي عالي ، التي كان يُريها لبعض الأصدقاء حين كُنا نلتقي به بين الحين والآخر ، باعثاً مهماً حفزني شخصياً أيضاً للإهتمام في النوع من الأعمال الفنية والبحث في أُصولها وجذورها الموجودة في الفنون القديمة . ومنها الفن الصيني القديم وفن المخطوطات والمُنمنمات الإسلامية، والشاهنامات التي تُزينها بعض الرسومات الدقيقة المرافقة للنصوص . ومن ثم تعقب أثر هذا النوع من الفن في أعمال بعض الفنانين العراقيين والعرب والعالميين ، حيث تبين لي آنذاك إن الفنان العراقي ضياء العزاوي كان يتصدر قائمة المُشتغلين في هذا النوع من الفن منذ فترة الستينات من القرن الماضي .

كانت إشتغالاتي الأولى في مجال الدفاتر بسيطة جداً. تعرضتُ فيها إلى مواضيع ذات سمة جمالية وتصميمية ، تُعالج تكوينات وإنشاءات مختلفة في مجال الكولاج والتخطيط والتصميم . ومن ثم إنعطفت في مسار آخر له علاقة ببعض النصوص الأدبية والسيرة . ومنها على سبيل المثال سيرة الحلاج . حيث كان أول دفتر صغير أنتجته في هذا المجال تحت عنوان ( أسطورة المربع الأبيض في الفراغ الأسود) . وهو رؤيا فنية بصرية لمأساة صلب الحلاج . حيث كان يغلب على الأشكال التي تتكون منها الصفحات الطابع الرمزي والإشاري ، وتتكون من أشكال مُبسطة تجمع بين الكولاج والتخطيط .
في منتصف التسعينيات ، حين كان العراق تحت الحصار الأقتصادي الذي تركت أثاره وطأتها على الحياة والثقافة والفن ، كانت تتولد في داخلي حاجات مُلحّة للتعبير عن تلك المُعاناة الإنسانية التي لايمكن وصفها بشكلٍ وافٍ في مجال الرسم . كنتُ أشعر في ذلك الحين إن اللوحة التقليدية لم تعد تفي بالغرض اللازم للتعبير عن تلك الحاجات المُلحّة ، مهما كان حجمها أو وسيلة التعبير التي تتبناها إسلوبياً ، لانها ستكون منتهية عند حدودها المعروفة سواء كانت مربعة أو مستطيلة أو غير ذلك .
تلك الدوافع والحاجات الفنية كانت باعث مهم أسست فيما بعد بشكلٍ ملموس لنهج تبنيتهُ في الإشتغال على الدفاتر الفنية . حيث أخذ مساراً شُبه مُستقل عن سياق الإشتغال في اللوحة الفنية وعوالمها المُتعارف عليها . وقد ساهمت العديد من تصاميم تلك الدفاتر التي كنت أعمل عليها في توفير نوع من الحُريّة في الإنتقال بين صفحاتها أو طياتها المُتعددة ، بدون قيود أو حسابات للمساحة والشكل . وقد تحققق نتيجةً لذلك إنشاءات فنية كثيرة ، البعض منها ذات طابع يقترب من مفهوم السيناريو البصري أثناء تفحص وتقليب الصفحات . وكان من أهم الأعمال التي أنتجتها في ذلك الحين هو دفتر متكون من خمس وأربعين صفحة ، عنوانه ( درب الآلآم ) . وهو رؤيا فنية بصرية لسنين الحصار وعواقبه على حياة الشعب العراقي . إعتمدتُ في تنفيذ ذلك العمل على تضاد اللونين الأبيض والأسود بواسطة الكولاج والتخطيط المُبسط من مادة الحبر الصيني . و قدمت نص مرافق لذلك العمل شارحاً وموضحاً رؤيتي الفنية لموضوع الحصار وكيفية تنفيد العمل على تلك الشاكلة، ليكون مدخلاً للدفتر . ُعرض ذلك الدفتر لأولِ مرة في معهد العالم العربي في باريس ، في معرض لمجموعة من الفنانين العراقيين من جيل الحرب والحصار.

مع تقدم الخبرة في مجال تصنيع الدفتر في نهاية التسعينيات، إستهوتني فكرة تصنيع الورق الخاص وبعض الكارتون السميك من بقايا الورق والكارتون التالف . حيث قادني ذلك البحث الى الخوض في تفاصيل مهنية لم أكن أعرف عنها شيئاً في السابق . و كانت دكاكين الوراقين والمُجلدين في المنطقة المحيطة في شارع المتنبي خير عون لي في ذلك . حيث كُنت أتردد عليها بين الحين والآخر، وأُقيم بعض الحوارات النافعة مع بعض العاملين في ذلك المجال الشيق بالنسبة لي . وقد تطورت تقنية التحضير التي كنت أُمارسها بشكل ملموس جداً، من خلال ما أنتجته من ورق متكون من طبقات عديدة ذات ألوان مختلفة كنت أعمل على تحضيرها، تشبه الى حدٍ كبير بعض السطوح الكثيفة التي كانت تتكون منها سطوح لوحاتي في مجال الرسم على البورد الخشبي.

مكنتي تلك الإكتشافات فيما بعد من إنتاج دفاتر مهمة ذات حس جمالي ووجداني عالي ، في التعامل مع الورق وتوظيفهِ بشكل يُحقق الغرض أو الوظيفة لكل دفتر وبخصوصيةٍ تامة . وكانت بعض الدفاتر التي أنتجتها في هذا المجال بالتحديد، هي التي كنتُ أتعقب فيها الآثر الإنساني والمتروكات واللقى الآثارية لحضارة وادي الرافدين ، وبعض الفترات الزمنية من الحضارة الإسلامية ونتاجِها من المخطوطات والمُنمنمات. حيث كانت تلك المنطقة المحددة بالذات هي مجال بحثي الفني والجمالي في مجال الرسم في فترة التسعينات . وكانت من أهم الدفاتر التي أنتجتها في تلك الفترة : كتاب العالم السُفلي ، كتاب اللامقرؤات ، مقامات الحريري ، تنقيب الزقورة ، كتاب الألواح النُذرية ، كتاب الطروس ، دفتر الحضرة ، دفتر النجوم ، دفتر تحية الى الفنان شاكر حسن آل سعيد .

بعد عام ٢٠٠٣ ، حين أصبح الإحتلال الأمريكي للعراق حقيقة واقعة ، وترافقت مع وجوده كنتيجة الكثير من الأحداث التي زادت من وتيرة العنف الطائفي ، التي ساهمت في تخندق كبير بين شرائح المجتمع العراقي . حيث تركت تلك العوامل تأثيرها بشكلٍ واضح على الحياة والثقافة والفن . ونتيجة لذلك كانت أعمالي الفنية في مجال الرسم والتخطيط وعمل الدفاتر قد تأثرت في ذلك بشكلٍ ملموس ، من خلال التصعيد للكثير من الأشكال والرموز التي كنت أستخدمها في بناء وتكوينات أعمالي الفنية ، وأصبحت الألوان أكثر حرارةً ووضوح وسعة عن ما كانت عليه في أعمالي الفنية التي تتميز بِأُحادية اللون مع إشتقاقات بسيطة ، مما أضفى عليها مظهراً أخر يختلف عن ماكانت عليه في السابق .

كان أول دفتر فني أنتجتهُ في تلك المرحلة هو ( حرائق بغداد). يتكون من عشر صفحات مطوية سائبه ، يجمعها غلاف على شكل صندون متكون من مادة الكارتون . حيث كان ذلك الدفتر بمثابة شهادة فنية بصرية على الزمن الذي كُنتُ أعيشهُ في ظل الإحتلال الأمريكي ، حين تعرضت المؤسسات التأريخية والفنية والثقافية والمدنية، للنهب والحرق تحت أنظار القوات الغازية التي جاءت داعيةً للحرية والخلاص من قبضة الدكتاتور.
أعقبَ ذلك بفترة قصيرة إنتاجي لدفتر كبير الحجم تحت عنوان ( شعارات الجدران بعد الإحتلال الأمريكي ) ، وهو نتاج وخلاصة لما قمت به من تصوير مجموعة كبيرة ة من الصور صوره الرقمية ، للشعارات السياسية على الجدران في منطقة بغداد ، التي تعود للأحزاب السياسية والدينية . كذلك الشعارات التي كان يكتبها الناس العاديون ، التي تُعبر عن وجهات نظرهم إزاء مواضيع كثيرة ، منها زوال الدكتاتور أو رفضهم للإحتلال . حيث كانت تلك الظاهرة تُسَجّل لأول مرة في تأريخ العراق بعد سقوط النظام وبهذا الكم المُلفت للأنظار من الكتابات والشعارات .
بعد ذلك انتجت العديد من الدفاتر الفنية التي إرتبطت بأحدات تأريخية وسياسية مهمة خلال تلك الفترة العصيبة من حياة الشعب العراقي . منها : دفتر ُهنا كان بيتي ، دفتر جدران بغداد الإسمنتية ، دفتر الخارطة ، دفتر السرَّطان ، دفتر بغداد مدينة مُحتلة ، دفتر بغداد مدينة مُجزأة ، دفتر بلاد مابين النهرين ، دفتر تفجير شارع المتنبي ، كتاب الطائفية ، ودفاتر عديدة أخرى ، كان أخرها حول تفجير في منطقة الكرادة في العاصمة بغداد في عام ٢٠١٦، حيث ذهب ضحيته أكثر من ثلاثمائة شخص .
كما وأن هناك دفاتر فنية أخرى أنتجتها في كندا ، كانت مُتعلقة في جوانب جمالية ومفاهيمية خاصة ، مُتأثرة في المناخ الثقافي والبيئي الجديد .

هذا النص كان مادة لمحاضرة ثقافية أقامتها الجمعية العراقية الثقافية في أونتاريو عن دفاتري الفنية عام ٢٠١٦.